محمد سعيد رمضان البوطي
39
فقه السيرة ( البوطي )
لقد اختار اللّه عز وجل لنبيه هذه النشأة لحكم باهرة ، لعل من أهمها : أن لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريبة في القلوب أو إيهام للناس بأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم إنما رضع لبان دعوته ورسالته التي نادى بها منذ صباه ، بإرشاد وتوجيه من أبيه وجده ، ولم لا ؟ وإن جده عبد المطلب كان صدرا في قومه ، فلقد كانت إليه الرفادة والسقاية « 1 » . ومن الطبيعي أن يربي الجد حفيده أو الأب ابنه على ما يحفظ لديه هذا الميراث . لقد اقتضت حكمة اللّه عز وجل أن لا يكون للمبطلين من سبيل إلى مثل هذه الريبة ، فنشأ رسوله بعيدا عن تربية أبيه وأمه وجدّه ، وحتى فترة طفولته الأولى : فقد شاء اللّه عز وجل أن يقضيها في بادية بني سعد بعيدا عن أسرته كلها ، ولما توفي جدّه وانتقل إلى كفالة عمه أبي طالب الذي امتدت حياته إلى ما قبل الهجرة بثلاث سنوات كان من تتمة هذه الدلالة أن لا يسلم عمه ، حتى لا يتوهم أن لعمه مدخلا في دعوته ، وأن المسألة مسألة قبيلة وأسرة وزعامة ومنصب . وهكذا أرادت حكمة اللّه أن ينشأ رسوله يتيما ، تتولاه عناية اللّه وحدها بعيدا عن الذراع التي تمعن في تدليله والمال الذي يزيد في تنعيمه ، حتى لا تميل به نفسه إلى مجد المال والجاه ، وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة والزعامة ، فتلتبس على الناس قداسة النبوة بجاه الدنيا ، وحتى لا يحسبوه يصطنع الأول ابتغاء الوصول إلى الثاني . 3 - يدل ما اتفق عليه رواة السيرة النبوية من أن منازل حليمة السعدية عادت ممرعة مخضرّة بعد أن كانت مجدبة قاحلة ، وعاد الدرّ حافلا في ضرع ناقتها الكبيرة المسنة بعد أن كان يابسا لا يتندى بقطرة لبن ، يدل ذلك على علوّ شأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورفعة مرتبته عند ربّه حتى عندما كان طفلا صغيرا كغيره من الأطفال ، فقد كان من أبرز مظاهر إكرام اللّه له أن أكرم بسببه بيت حليمة السعدية التي تشرفت بإرضاعه ، وليس في ذلك من غرابة ولا عجب ، فقد علمتنا شريعتنا الإسلامية أن نستسقي عند انحباس المطر ببركة الصالحين من الناس ومن أهل بيت محمد صلى اللّه عليه وسلم رجاء استجابة اللّه لدعائنا « 2 » ، فكيف إذا تشرف
--> ( 1 ) الرفادة شيء كانت قريش تترافد به في الجاهلية ، أي تتعاون به فيخرج كل إنسان بقدر طاقته فيجمعون مالا عظيما فيشترون به طعاما وزبيبا ونبيذا ويطعمون الناس ويسقونهم أيام موسم الحج حتى ينقضي . ( 2 ) يستحب الاستشفاع بأهل الصلاح والتقوى وأهل بيت النبوة سواء في الاستسقاء وغيره : أجمع على ذلك جمهور الأئمة والفقهاء . انظر فتح الباري : 2 / 339 ، ونيل الأوطار : 2 / 7 ، وسبل السلام : 2 / 134 ، والمغني لابن قدامة الحنبلي : 2 / 265 .